محمد الحضيكي
108
طبقات الحضيكي
كان - رضي اللّه عنه - متورعا زاهدا ، عاملا للآخرة راغبا فيها عن الدنيا ، معرضا عما عليه أهل الوقت من متاع الدنيا ، قاليا مبغضا لها مقبلا على الآخرة وعملها بكليته ، مستغرقا جل أوقاته في التعليم وإرشاد الطلبة . فكان يجلس إذا صلّى الصبح لإقراء الحديث النبوي لقرب الطلوع ، ثم يقوم لبيته وللأوراد ، ثم يجلس في الضحوة لإقراء " مختصر خليل " ، ثم بين الظهرين له أيضا ، ثم بعد العصر لإقراء حديث وغيره ، ثم بين العشاءين لإقراء " رسالة ابن أبي زيد " أو " العشماوية " و " العزية " ، فكل من رأينا من طلبة المالكية هناك إنما أخذوا عنه هذه الكتب الثلاثة : " الرسالة " وما بعدها ، وما رأينا أحدا قط يقرئها ويعتني بها غيره . وكان - رضي اللّه عنه - رتب كتبا / يختمها كل عام : " مختصر خليل " ، و " الرسالة " ، و " العزية " ، و " العشماوية " ، و " الجامع الصغير " للسيوطي ، و " أحاديث الصحيح " لابن أبي جمرة [ وكتبا ] أمن الوسائل : " ألفية ابن مالك " ، و " تلخيص المفتاح " ، و " جمع الجوامع " للسبكي « 1 » . وهذا دأبه نيفا وثلاثين سنة ، لا يأتي أهله بالإسكندرية إلا بعد ختمها كلها في عام ، ثم يأتيهم ويمكث [ عندهم ] ب ثلاثة أشهر ، ولا يترك القراءة والتدريس حيث هو . وقد أخبرنا لما رجع أنه سرد في الثلاثة أشهر " الجامع الكبير " للسيوطي ، فندمنا في تخلفنا عن صحبته . وكان - رضي اللّه عنه - خشوعا بكّاء ، سريع الدمعة ، يغلب ذلك عليه حتى في مجلس الإقراء ، كثير التفكر ، عظيم المحبة في النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، مولعا بأحواله صلّى اللّه عليه وسلم ، معتنيا بسنته وسيرته ، عارفا لأحوال الصالحين والعلماء العارفين ، كثيرا ما يذكرهم في المجلس ، وينبسط لكراماتهم ، ويقول : فلان لم يقع منذ كذا في مكروه فضلا عن المحرم . وكان - رضي اللّه عنه - كثير الرؤيا للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ويحكي لنا في المجلس بعض ما يرى ويقول : عليكم بعلوم الشرع : الفقه والحديث والتفسير . قال : وكنت جاورت بالحرمين الشريفين نحو خمس سنين مع أبي للتنسك والتدريس ، فما رأيت أحدا يسأل عن مسائل البيان ولا عن المنطق ، وإنما سؤالهم عن الفقه والسنة ، فالعاقل يعطي كليته وهمته لعلوم الشرع ، ولا يغتر بشقشقة الألسن في مجالس المنطق والبيان . ويقول : كونوا فقهاء فإن مذهبهم سهل سمح ، ولا تكونوا متصوفة فإن مذهبهم صعب لا يطاق .
--> ( أ ) م ، خ : وكتابا . ( ب ) ساقط من م ، ع ، ن . ( 1 ) جمع الجوامع في أصول الفقه ، اشتهر لدى المغاربة والمشارقة ، طبع بمصر سنة 1310 ه / 1893 م .